اقرأ (قصّة قصيرة) – عامر عودة

وضعتُ أمامي كأسًا منَ الويسكي وبعض قطع منَ الفاكهة، منتظرًا بداية الفيلمِ التّلفزيونيِّ الّذي قرأت قصّته برواية من أجمل الرّوايات، لا من حيث أحداثها الّتي تحبسُ الأنفاس فحسب، بل من حيث لغتها الغنيّة وأسلوبها الرّوائيِّ الشّائق وتشبيهاتِها البلاغيّة. وجزمتُ بأنَّ مشاهدةَ الفيلم ستكون أجمل من قراءةِ الرّواية، خاصّة أنَّ المخرج معروف وبعضَ الممثّلين مشهورون، وأنَّ نقلَ أحداثِ الرّواية وأفكارها، والتّعبير عن أحاسيس شخوصها، سيكون أسهل سينمائيًّا، منه كتابيًّا.

ارتشفتُ رشفة من كأسي، قبل أن يضيء بريقُ الشّاشةِ الفضّيّة وجهي فَرحًا، عندما بدأَتِ الكتابة تتحوّل أمامي إلى صور متحرِّكة. فالأشخاص الّذين قرأتهم قد بدأوا بالتَّجَلّي. لم أتعرف عليهم في البداية إلّا من خلالِ أسمائهم، ففي خيالي كانت ملامحهم تختلف وأصواتهم وحركاتهم أيضًا. وقد خاب ظَنّي لأنّني أحببت شخصياتهم الرّوائيّة أكثر منَ السّينمائيّة! فقد غَزَلَ خيالي ملامحهم بخيوط تختلف عن خيوطِ المُخْرج. لكن لا بأس؛ ملامحهم ليست ذات أهمّيّة كأهميّة أعمالهم ومواقفهم في الأدوار الّتي سيلعبونها في حياة هذهِ الرّواية أو هذا الفيلم.

تمرُّ أحداثُ الفيلم سريعة. فقدِ اهتمَّ المخرجُ بالتّركيز على الدّراما السّينمائيّة، وليس على ما تُخَبّئ وراءها من فلسفة حياة وعِبَرٍ. الموسيقى التّصويريّة والتّأثيراتُ الضّوئيّة كانت جيّدة ومثيرة، لكن لم يكن بينَ الشّخصيّات أيُّ حوار فلسفيٍّ كما في الرّواية، الأمرُ الّذي أفرغَ الحدث من مضمونه. أينَ الحواراتُ الجميلة؟! أينَ الجُمل والتّعابير البلاغيّة؟! حتّى التّفاصيل الصّغيرة ضاعت في ثنايا الأحداث وسرعتها. إنًّ التّفاصيلَ الصّغيرة تضيف جمالًا على الأحداث، تمامَا كحبّاتِ الكرزِ  الصّغيرةِ الحمراء الّتي تُزَيِّنُ قُرصَ الكعكة. فلماذا لم تُزَيِّنَ كعكتك بتلكَ الكرزات أيّها المخرج؟!

أكملتُ مشاهدةَ الفيلم بعينيْن زائغتيْن، وجاهدت ألّا يصيبني المللُ بدائِهِ، لكن لا جدوى، فقد ثقل جفناي وبدأ الكرى يطرق بابهما. وما أنفتحا له الباب، حتى انتفضتُ من صوت صراخ مفزع من إحدى بطلاتِ الفيلم. ما هذا؟! ماذا أصابها؟! لماذا تصرخ هكذا كالمجنونة؟!

…فَقَدّتُ كلَّ تركيزي. لم أعد أفهم شيئًا منَ الفيلم، وكأنّي لم أعش أحداثه ولم أسكن مع شخصياته في بيوتهم، أحزن لحزنهم وأفرح لفرحهم وآكل وأشرب معهم. القصّة بدت غريبة عني لا أعرفها ولاتعرفني! حاولت أن أعيد ما فقدته من تركيز، لكن عبثًا، فأحداثُ الرّوايةِالّتي قرأتها كانت تطفو على باب ذاكرتي، ولا تسمح للأحداثِ السّينمائيّةِ المختلفة عنها بالمرور. فأغلقتُ التّلفاز غاضبًا متأففًا خائبًا، وفتحت كتابًا جديدًا كان يناديني لأقرأه، فلبيّت النداء.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*