كلكلت أقدام ساعاتي وهي تعدو إثر الأعوام الأخيرة، تركن لبعض الراحة عند الأيام، ونقاط عبورها من أُسبوع لآخر، ومن شهر لآخر، وصولًا للمحطة المركزيّة/ رأس السنة العالميّ.
كنتُ عالقة في كراج السمَع، أعتمد البصر لقراءة المحيط من خلال لغة جسده، إلى أن استعدت سمعي بصدمة، وأفراد أُسرتي يرفعون الصوت: “يا مسكينه يا سلمى شو سمعها ثقيل”! فقمتُ أهدر كالطاحون! وبدأت العدّ مشيًا للوراء خطوة، وركضًا للأمام خطوات.
وسيلتي لتبويب معرفتي المستجدّة بالأيام والتواريخ الموسميّة متوفّرة؛ رزنامة تصدرها المطرانيّة سنويًّا، وهي مؤسّسة تقليديّة تبرِز الأعياد والمناسبات التي تهمّ كافّة الطوائف، مع القليل من الإشارة للمناسبات المدنيّة. منها انطلقت.
الجردة الأوّليّة تؤكّد أنّها متخلّفة، مقارنة مع التقويم الإعلاميّ الذي يملأ الفضاء أَيامًا ذات علامات فارقة تميّز عصر الزحف البطيء عن العصر النفّاث. وفيه تظهر السنة شبكة من الأيام والأعياد المنمّطة بحيث ترضي أهواء كافّة الأجيال، والطموحات!
للوقوف على الجديد ما بين رأس السنة وآخرها/ عيد الميلاد الغربيّ، لا بدّ من دخول المتاهة… فرأيت أن أحمل ريشتي، وأكنس التراب المتراكم فوق صفحة العام. وتظهر لي مرصوصة رصًّا آليًّا أجهل قراءته، كما أن لا طاقة لي على السير في المتاهات! فلا خيار عندي غير الاستعانة بمستر جوجل، وهو العارف نمرة حذائي، ويوم قرّرت استبدال الكعب العالي بحذاء زحف… وحتى من أيّ زاوية تدخل الشمس غرفتي، فيما لو رغبت بالشروق يوم رأس السنة. ولم يخذلني!
لائحة الأعياد والأيام المثبّتة في التقويم كثيرة، وبينها عدد من التواريخ الوافدة إليه تحت أسماء حديثة! بمنظار السيّد وملقطي نجحت بالفصل بينها، وفيه من الطارئ الدخيل بعدد ما فيه من الأصيل. حديقة أعياد وأيام تمازجت في ذاكرة تسعى لتلوين مجرياتها… من عام مستهلّ بِ “عيد” العشّاق، وتكرّ المسبحة: “يوم” الشجرة، يوم المرأة، عيد الأُم، يوم الأرض… حماية البيئة…عيد الطفل، الأب، المسنّ… يوم الطالب، المعلّم، اللغة العربيّة… يوم النظافة، التوعية من… التضامن مع… المطالبة بِ… الوقوف على…واللائحة تطول.
وتسترعي انتباهي، كزاحف فضوليّ، وتبيّن جهلي الدقّة بالفصل بين ال عيد وال يوم! فأمشي بين النقط متذكّرة قولهم ” هلّي بطلع من ثوبُه بِعرى”. وقد اقتنيت ثوبه قناعة، لبستها وتمسّكت بها:” أعطِني الناي وغنِّ وانسَ ما قلتُ وقلتَ______ إنّما النطقُ هباءٌ فأفدني ما فعلتَ”!
فمراجعة سريعة لهذه ” الأع/يام”، تصوّر أصحابها بين مذبوح، معنَّف مقموع، متروك أو مهمَّش! فلا يخفى على الحقيقة أنّ العشّاق قد ذبحوا الحبّ بسبب هستيريا الغرام الصاروخيّ… وأنّ الكرّامين قد اجتثّوا الشجر، وزرعوا رؤوسهم برانيط معطّرة، والأرض محروثة مرويّة بدماء قرابين العنفين: التخلّي العاطفيّ الأُسريّ والتيه المجتمعيّ… والمرأة مثقلة بهموم الكرييرا ومنمنماتها… والأُمّ متردّدة بين أُمومتها وحقها باستيراد مربية تليق بمنزلتها… والأب لامبالٍ بكرَم أخلاق علماء المجتمع، وقد أنصفوه وألحقوه بترضية قيمتها “عيد”!
أمّا يوم الطالب، يوم المعلّم ويوم اللغة العربيّة فهي من أيام العرب الجديدة. وهي للطالب يوم مفتوح على أشكال من الترفيه خارج حدود الروتين، وهذا ضروريّ! وللمعلم يوم تحرّر من مسطرة المسؤوليّة، وهذا غير ضروري… واللغة العربيّة يوم شمّ نسيم ذاكرة أيام سوق عكاظ، وهذا غير مُجدٍ في هذا الإطار!
عروض جميلة متناسقة مع المناسبات، تأخذ شكل احتفاليات كثيرها فاقع، وقليلها متواضع، تنتهي بقراءات ومطالعات تتخلّلها ضيافات… لكن، ليس قبل الاتفاق على ضرورة المتابعة، في اليوم المنتظَر التالي من العام التالي! (يبدو أن لا جديد يكذّب القول القديم: العيد يوم والرعنا قتلت حالا)!
بعد جهد لا يخلو من المتعة تنبّهت لعدم ورود ” أول نيسان” في اللائحة، مع أنّه الوحيد المطابق لمواصفاته… لكنّ الأعمال بالنيّات، وطيّب النوايا كثيرًا ما تُحشَر في الزوايا!
بناء على هذه البرمجة، لن أتفاجأ، في قادم الأعوام، بيوم أصدرت نانسي عجرم ألبومها ” أحبّك آ…”! ويوم أطلقت هيفا وهبي رائعتها ” بوس الواوا…”! أو يوم افتتاح أحلام معرض مجوهراتها، أو لبست إليسا له الأبيض…
ولا يبقى غير مقاطعة الترويج لسلع تدرّ على أصحاب رؤوس الأموال المسموعة والمرئيّة أرباحًا طائلة، وتترك ذيلها سؤالًا جوهريًّا: ما هو مكسب الطفل فارس المستقبل منها؟ أفدني أيّها المكافح مساندة لكلّ هؤلاء… (خلال يوم)، ماذا فعلتَ في بقيّة أيام العام من أجل الطفل، تحديدًا، وهو المحشور بين طفولة مهلهلة وشيخوخة مبكرة؟ وهو الكاره كتابه لثقل وزنه ودمه؟ المتهرّب من الزقزقة، لأنّه طائر ألكن؟ والجاهل مفهوم المودّة، لأنّه مقفل على ذاته داخل ذات الذكاء الآليّ؟؟
فمَن يصدّق أنّ الغذاء حتى التخمة، خلال يوم واحد يعوّض عن جوع عام بطوله وعرضه؟