اليوم، وبعد هذه السّنين الّتي عشتُها، وبعد التّجارب التي خضتُها، وبعد هذا الكمّ الغزير من المعلومات والمعارف الّتي اطّلعتُ عليها، صرتُ أقلّ انفعالا، وأكثر ميلا للتّروّي ولتحكيم العقل، واكتسبتُمرونة في تصرّفاتي وفي أحكامي!
لكنّ الأمرَ لم يكن كذلك عندما كنتُ طفلًا صغيرًا، أو عندما كنتُ فتى يافعًا!
كنتُ آنذاك عاطفيًّا سريعَ الانفعال، أُصدِرُ الأحكامَالقاطعة بعفويّة بدون تأنٍّ أو رويّة!
أذكر موقفًا لا أنساه مررتُ به وأنا في الصّفّ السّادس الابتدائيّ.
كان يومًا من أيام الرّبيع المشمسة، وبالتّحديد بعد ساعات الظّهيرة، حيث تجمّعت نساء الحارة في ساحة بيت أحد الجيران، وقد افترشن الحُصُر وجلسن على “الطّراريح” أو البُسط ورحن يتجاذبن أطراف الحديث بمتعة وسرور، إذ لم تتوفّر في تلك الأيام أجهزة المذياع أو التّلفزيون في البيوت أو الهاتف الذّكيّ/الخلويّ.
أمّا نحن الصّغار فانهمكنا في القفز والجري واللّعب في الأزّقة والطّرقات، وأحيانًا كنّا نركض فرحين خلف بعض الفراشات المزركشة الجميلة، أو نهرب مذعورين من دبابير شرسة!
وحدث في أثناء ركضي أنْ “عرقلني” – متعمّدًا – زميلٌ من أبناء الحارة، فوقعتُ على الأرض، وأصابتني بعض الرّضوض والخدوش، فلم أتمالك نفسي فصرختُ بأعلى صوتي ذامًّا ذلك الزّميل الشّرّير، ومعلنًا كراهيتي الفائقة له ولسلوكه العدوانيّ!
ولما كنّا على مقربة من نساء الحارة المتجمّعات، فقد سمعن صراخي وكلامي، وشاءت الصّدف أنْ تكون والدة “الجاني” مع النّساء المتجمهرات، فغضبت منّي، وأخذت تدافع عن ابنها وتمجّدُ أخلاقَه الحميدة وتستنكر أقوالي عنه!
نهضت إحدى الجارات، وتقدّمت منّي تواسيني وتلطّف من ألمي وهياجي، وانتحت بي جانبًا وقالت لي اسمع منّي هذه النّصيحة واعمل بموجبها:
“حبّ وداري، وأبغض وواري”!
وراحت الجارة تشرح لي حكمة ذلك المثل وجدواه في حياتنا، حيث يجدر بنّا إذا أحببنا أنْ نعلن حبّنا ونجهر به ليعرف المحبوب ذلك، وإذا كرهنا علينا أن نُخفيَ ذلك الكرهَ عن الشّخص المكروه!
يومَها، صدمني هذا المثلُ في فحواه ومغزاه!
كان يمكنُ أنْ أقبلَ الجملة الأولى من المثل – إظهار الحبّ للمحبوب، ولكنّي أرفض الجملة الثّانية الّتي تحثّ على الرّياء وعدم إظهار مشاعرنا الصّادقة!
بعد هذه الحادثة، بدأتْ نفسي الغضّة تتألّم، بل تثور، من سماع بعض الأمثال الشّعبيّة الّتي يردّدها النّاسُ الكبار في مجتمعي، تلك الأمثال الّتي لها إيحاءات سلبيّة وتسهم في ترسيخ قيم وعادات مرفوضة يجب استئصالُها وإلغاؤها!
من بين تلك الأمثال الشّعبيّة الشّائعة الّتي لها إيحاء سيّء أذكر:
– الكذب مِلح الرجال.
– اللي بوخذ أمّي هو عمّي!
– حط راسك بين الرّوس وقول يا قطّاع الرّوس.
– بوس الكلب من ثمّو تا توخذ حاجتك منّو.
فكيف نردّد مثل هذه الأمثال الّتي تحثّ على الكذب واستحسانه، أو الّتي تدعو للخنوع والذّلّ والاستسلام، أو الّتي تُبيح كلّ الوسائل للوصول إلى الغايات فتدعو للّجوء إلى الخداع والنّفاق!
إنّ الأمثال الشّعبيّة وما لها من تأثير وشيوع بسبب ما تتّصف به من خصائص وميزات، سواء في الصّياغة أو الأسلوب أو المضمون، تحتّم مراجعة دقيقة للعدد الضّخم الهائل من الأمثال الواردة في الكتب والمصادر والموسوعات، لغربلتها وتنقيتها من تلك الأمثال الّتي تتنافى مع القيم والمثل السّامية النّبيلة، فلا يتناقلها النّاسُ في أحاديثهم أو كتاباتهم!
ملحوظة:
هناك الكثير من الأمثال الشّعبيّة الّتي لها إيحاءات إيجابيّة محمودة وقد أتطرّق إلى بعضها في المستقبل!