الحبُّ مطعون و”العشّاقُ” بأحمرِهِ يسكرون!- عفيفة مخول خميسة

الحبُّ شاعرٌ، منذُ البدءِ كان نسّاجَ حروفٍ نمنمَت أثوابَ السلام… لاهوتيٌّ صاغَ من حبّتيِّ حائِهِ وبائِهِ حليةً، باركتها الحياةُ منقوشَةً في ظاهرِ كفِّها شام… وهذا بشرع شهرياراتِ العصرِ حرام! فيُدَّعى عليه بجرمِ حيازةِ نفسٍ ريشيّةٍ، أوتارُها مفخّخةٌ بحروفٍ ناسفةٍ، وحزامٍ منَ إبرِ الأقلام…

………………..

وإذا القضاةُ أشرافٌ، عديدُهم ستٌّ، ولفيفٌ منَ الأزلام، يستّرونه بثيابِ تسوّلٍ مرقّمةً بأحجارٍ معشّقةٍ بتلوينةٍ منَ الأختام…وحجارةُ بيتِ قصيدِهِ تئنُّ تحتَ أزاميلَ آليّةٍ تؤنسنُ الأصنام!

…………………..

الصبحُ شروقٌ مكفهرٌّ، وليلُ العهرِ عدسةٌ ذكيّةٌ تصوّرُ النقعَ مغطسَ أحلام! فينطوي عزيزُ الهامِ نفسًا خثّرَ ريقَها الطوى، وقامَ يؤلّفُ ملحمةَ الهزيمة مريحنةً بندى عاشقٍ مستهام، براه الحنينُ لحرفينِ لُبانتينِ تصعدانِ دربَ الآلام! دخانُ جلجلتِهِ يرميه بجُنّةِ شوقٍ لباءٍ تنقطُ في ساقيةِ غرامٍ كانَ يأتيها لأسبابٍ رسوليّةٍ ما كانت ملفّقةً… وما عادها إلّا فارسَ مجدٍ، في مهابتِهِ شموخُ الكرام!

………………..

لانَ الفارسُ ولم يترجّلْ، بلِ مالَ يلاينُ الدربَ برقّةٍ، والريحُ عطريّة لعوبٌ، تتحدّاهُ برقصةٍ تديرُها ذبابةٍ فارعة القوام توزُّ بينَ أصابعِهِ قنّاصةً داميةَ السهام! صدى القصفِ في سمعِهِ يتكسّر: “خيّالُ حروفٍ مخلّعٌ عاثرٌ، ومغامر! مقاولٌ مفلسٌ جمحت به فرسُ الأوهام… لغوُهُ عويلٌ، وغناؤه تناويحُ قافلةٍ منَ الجيادِ، ويُعمّمُها على الدنيا عقاقيرَ لتحصينِ النفوسِ ضدَّ السُّقام”!

………………

عروسُ الحبِّ شهرزادُ تسمع! تستنطقُ الساقيةَ، واعدةً أن تعودَ بعدَ حينٍ، وقد بعثت في المسامِ رؤوسَ كلام! تنوّمُ الراويةُ الساعةَ، ولا تنام. ساهرةٌ تستذكر رحلتها العتيقةَ، تتمشّى معَ فارسِها خيالًا، تقيسُ خطواتِهِ بالأشبارِ والأقدام… تجنحُ للصمتِ تارةً، لتصغي لكركرةِ عندَ الساقيةِ يجاوبُها منَ السماءِ هُزام… وتارةً تجمحُ الذاكرةُ بها، فتحلّقُ صرخةً تستكتبُ بغدادَ والبصرةَ… وتستقرئُ بيروتَ والشام…شهورٌ تدحرجتْ فوقها شهور، طوت ألفُ ليلةٍ وليلة، ومثلُها منَ الأيام، والعصفورةُ حوّامةٌ تساهرُ ليلًا ناعسَ الهندام، تجوبُهُ مؤنسةً متيقّظةً، عقاربُ ساعتِها جعلت من روحِها إدام!

الغداةُ في عشِّ الروايةِ موعدُها. الساعةُ تثِبُ إلى الأمامِ تستعجلُها الهبوطَ، فتهبط. ولم يحضرِ الفارسُ الهمام! وتدركُهُ على ذراعِ الساقيةِ متخفّيًا بابتسامةٍ شاحبةٍ تبكي حروفَهُ أسيرةَ سلطانِ اللئام…! متكوّرٌ مهزومٌ مستسلمٌ أعياه سكوتُ الحبِّ على ظلمِ عالي المقام… فكيف يمكنُها استردادُّ الأصيلِ من معشرٍ فالتِ الحزام؟ ماءُ الساقيةِ يكذّبُ الغطّاس، وكركارتُها في الظلِّ تسجّل محضرَ الملحمَةِ بالخطِّ العريض: الحاكمَ المطلقُ بأمرَ الأنام مراقبُ حساباتٍ مراوغٌ، يحاورُ سطرًا، ويناورُ ملفًّين… يدبلجُ ويمنتجُ من الأرقام حبًّا نوويًّا يبيّضُ الحمامَ على الوتدِ، ويسلّطُ الحمارَ على الأسدِ!!

    وكانَ ليلٌ طويلٌ. وخطيبةُ الحبِّ العتيقة خطيبةٌ فصيحةٌ لا تستعينُ بأقوالِ قُدامى العظام… تنهضُ، تخبطُ درجَ الفجرِ خبطَ مستشاطٍ حزين، تمشّطُ غرّتَهُ بريشةٍ وجيعةٍ تستدمعُهُحروفَ حكايةٍ تلقّمتها نقراتٍ عُزِفت سجعَ يمام! عروسُ الحكايةِ للحبِّ وفيّةٌ أمينةٌ، تسلّمُ الصبحَ حزمةً من نورٍ قلبِها وديعةً، وتمضي إلى حيثُ توقّفت منذ أعوام… فتودّعُ الحبَّ، وتبكيهِ علَمًا ينكَّسُ مثقلًا بذخائرِ الكلام، فيما الرسومُ ترفرفُ في الفضاءِ أعلام! حائرةً تتساءلُ قبلَ أن تغادر: هل أعودُ في قادمِ الأيام؟! وتعودُ برأسِ الحقيقة: هوَ الحبُّ قتيلُالزمان! والزمانُ قتيلُ استعلائِهِ! 

هرِمَ التاريخُ وشاخت حيّاكةُ الأحلام، والأُسطورةُ لم تزل دون سنِّ الفطام… شهرزادُها عصفورةٌ تحملُ صفّارةً، تزيحُ الستارةً وتطلق صيحةً ترجّف قلبَ المساءِ، فيسكتَ الليلُ ولا تسكتُ عن مقارعةِ الظلام… حبُّها بارُّ مُبعَدٌ إداريًّا، مبتعدٌ إراديًّا معلَّقًا بمشنقةِ حرفيهِ، في انتظارِ تنفيذِ حكمِالإعدام… إلى عليّةِ الروحِ تتبعُهُ، رغمَ ثقَلِ الصليبِ تحملُهُ وتسير…رغمَ الزلقِ بمسيل مآقي الخنجر تسير… رغمَ غرقِها بدماء فتاها منَ الهامةِ حتى القدم تسير وتستعطفُ الحكّام… ويخفّف الحكم؛ ويُعدَمُ المخلِّصُ رميًا بمساميرَ تجتازُ العظام!!

……………….

شهيدُ الودادِ يعرفُهُ الفجرُ رضيعًا وديعًا، وتعرفُهُ الفصولُ ربيعًا على الدوام… به استنارَ الزمانَ وقلّدَهُ ألفَ وسام قبلَ ولادةِ الرواةِ، وبعدَ شهرزادِهِ الحكيمةِ صاحبةِ الزمام! وهي ذوّاقةٌ شمّت فيه ريحَ الفلِّ والخزامى.وتخافُ أن يزكمَ عطرُ الخزامِ الخزام! وأصيلةٌ ترعى المفارقَساهرةً، تحذّرُهُ منَ السيرِ الطويلِ وحيدًا وعتمٍ عيونُهُ حارقةٌ… تخافُ الأقنعةَ مزارعَ القلاقلِ، والآثام. تهرِّبُ من عينِها النعاسَ، وتعتلي صهوةَ الفجرِ نجمةً تخاطبُ الدنيا أمّارةً بأكثرَ من إشارةٍ لمسكُ الختام…

……………….

حليمةٌ وحكيمةٌ بالمباشرِ تنصح: “نداءٌ عاجل: أُخرجوا إلى النورِ أيّها النيام! صدّعوا القواقعَ، اهجروها! غادروا رمالَ النعام! جنّحوا واتبعوا سراجَ راعي الناياتِ يومًا، وانصبوا قربَهُ الخيام، فخلفه نورٌ لا يبصرُهُ الأمام! أدركوهُ، فقدتنسّكَ منذُ عقود… ممسوسٌ؛ مصاب بالزكامِ، ويستشفيبشمِّ نسيم ورقِ الغارِ! عازفٌ عنِ العزفِ والغناءِ والإنشادِ والإلقاءِ! صائمٌ عنِ الخبزِ والماء، عن الملحِ والشهدِ والمُدام!وأوشكَت على الغرقِ في بحورِها الأشعار!! ليصرَ “أصُّ الكُبّه” حطام؟!”

الحبُّ عليلٌ، أيها كرامُ، زاهدٌ بسهامِ المقَلِ التي في طرْفِها خجل! مترفّعٌ عن ورودِ العيونِ العسل، معتكفٌ عنِاللمسِ والعناقِ والهمسِ والقُبل، ونقشِ الأهدابِ والشفاهِ في الرخام! فشدّوا أحزمةَ الأمانِ! وذيّلوا كلِّ موعظةٍ، وإعلانٍ عن مهرجانٍ تقرأون: على دنيا السلامِ ألفُ ألفُ سلام”!  

       

   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*