الرمزيّة، المفارقة والدهشة في المجموعة القصصيّة القصيرة جدّا ” والي المدينة” للكاتب سهيل عيساوي – د. روز اليوسف شعبان

صدر الكتاب عن دار سهيل عيساوي للنشر (2025).

القصة القصيرة جدًا هي نوع أدبي يتميّز بإيجاز شديد، لا يتجاوز النص بضعة أسطر، وأحيانًا قد يكون في سطر واحد فقط. يهدف هذا النوع إلى تقديم حدث أو موقف مكثّف يثير الدهشة أو التأمّل لدى القارئ. غالبًا ما تحتوي على عنصر مفاجئ أو نهاية غير متوقعة تثير دهشة القارئ، كما تتميّز بالرمزيّة، والتكثيف والوحدة الموضوعية. (مجلّة أوراق ثقافيّة، نيسان 2020، موقع موضوع، منصّة لبيب).
يُعَدُّ فنُّ القصّة القصيرة جدًا من الأشكال الأدبية الحديثة التي ظهرت في الأدب الغربيّ في أوائل القرن العشرين. يُنسب إلى الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي كتابة إحدى أقصر القصص في عام 1925، والتي تتألّف من ست كلمات: “للبيع: حذاء طفل، لم يُلبَس قطّ. (مجلّة أوراق ثقافيّة، نيسان 2020).
رغم أنّ هذا الفن يُعتبر وافدًا من الغرب، إلا أنّ له جذورًا في التراث السرديّ العربيّ، مثل النوادر والطُرَف. من أبرز الكُتّاب العرب الذين أسهموا في تطوير القصة القصيرة جدًا في العصر الحديث: زكريا تامر، محمود تيمور، يوسف إدريس، وتوفيق يوسف عواد. ( ن.م).
حاليًا، تحظى القصة القصيرة جدًا بشعبية متزايدة بين القراء والأدباء، نظرًا لقدرتها على تقديم مضامين عميقة ومؤثّرة في نصوص موجزة. وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعيّ في انتشار هذا الفن، حيث تتناسب طبيعته المختصرة مع المنصّات الرقميّة الحديثة. (ن.م).
تُعتبر القصّة القصيرة جدًّا تحديًا للكاتب، حيث يتعيّن عليه إيصال رسالة أو تصوير موقف بكلمات قليلة، مع الحفاظ على عمق المعنى وقوّة التأثير.
فهل نجح الكاتب سهيل عيساوي، في الحفاظ على خصائص القصّة القصيرة جدّا؟ وهل تحمل قصصه رموزا ومفارقات تثير دهشة القارئ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، اخترت بعض القصص من مجموعته والي المدينة. في قصّة “صفعة” ص 4، يحلم بطل القصّة أنّه يصفعُ الحاكمَ وسط ذهولِ الجماهير، في الصباح قُرع باب بيته، وما أن فتحه حتّى وجد المخابرات العسكريّة أمامه. في القصّة رمزيّة وإشارة إلى تدخّل المخابرات في الأمور الخاصّة للمواطنين، ومراقبة الناس حتّى في أحلامهم. فمن يتوقع أن يحلم حلما يفرّغ فيه الإنسان جام غضبه على الحاكم، ثمّ تقوده المخابرات في صبيحة اليوم التالي للتحقيق معه؟
في قصّة زيتونة ص 14، نجد الرمزيّة في الإشارة إلى سرقة التراث ومحاولة تزييفه، لكن المفارقة تتجلّى في ثمار الزيتون التي نضجت رغم محاولات تغيير جيناتها:” أما اللصوص؛ فقاموا بطلي جذور الزيتونة بلون أزرق، وتغيير جيناتها الوراثيّة، وانتظروا أن تثمر فاكهة جديدة، ومع موسم قطف الزيتون أثمرت الزيتونة زيتونا، فصدم اللصوص”.
في قصّة والي المدينة ص 21، وهي القصّة التي تحمل هذه المجموعة عنوانها، نجد المفارقة والدهشة في حلم أحد المواطنين، بأنّ والي المدينة أصدر حكما بقطع يد كلّ سارق، وعندما استيقظ في الصباح وذهب الى السوق ليتبضّع التوابل، بحث عن رجل ليصافحه فلم يجد كفًّا. وفي ذلك إشارة إلى تفشّي ظاهرة السرقات بشكل كبير جدًّا.
في قصّة العفّة ص 22، نجد المفارقة بين العنوان والمضمون، فعنوان القصّة عفّة في حين الفتاة (بطلة القصة) بعيدة كل البعد عن العفّة:” استيقظت مذعورة… حاولت أن تمشي منتصبة القامة، لأن ظلّها سرعان ما تقلّص، مع إشراقة الشمس، لامست أشعتها الحارقة ثقوب ثوبها الذي اخترقته العيون، واجترّت الألسن خيوطه.. حاول لسانها أن يغطّي الثقوب، لكنّ قصره أخجلها”.
في قصّة شكوى ص 24، نجد الرمزيّة في استخدام الكاتب شخصيّات من عالم الحيوان وإسقاطها على الواقع كما في قصص كليلة ودمنة، ففي قصّة شكوى استخدم الكاتب شخصيّة الثعالب، الأرانب الأسد.
تسرق الثعالب الجزر من الأرانب وتقدم شكوى للأسد.
ترمز الثعالب إلى اللصوص، أو القادة الذين يستغلون ويسرقون الشعب(الأرانب)، أما الأسد فيرمز إلى الحكام ورجال السلطة. المفارقة كانت حين عطس الأسد فخرجت قطعة الجزر من حنجرته.
وبذلك ينطبق على هذه القصة المثل الشعبي ” حاميها حراميها”. وفي قصّة مدينة الملاهي ص 42، يشير الكاتب إلى ظاهرة التظاهر بالسعادة، وإخفاء الحقيقة بقناع:” تحرّكت الألعاب بشكل فنيّ بهلواني، كاد قلبه يتوقّف من شدّة الخوف، بحث عن قناع السعادة يغطّي به وجهه أمام الأطفال الغرباء، لم يجدْ، استلَّ من جيبه الصغير كمّامة سوداء نسيها من موسم الشتاء المنصرم”.
نجد هذه الرمزيّة والمفارقات والدهشة تتكرّر في معظم القصص التي عبّر الكاتب من خلالها عن رأيه وموقفه في قضايا اجتماعيّة، وطنيّة سياسيّة وإنسانيّة، بأسلوب القصّة القصيرة جدّا والهادفة جدّا.
مبارك للكاتب سهيل عيساوي هذا الإبداع الجميل، وإلى مزيد…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*