شرفني الصديق الكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح بإرسال مجموعته القصصية الجميلة تحت عنوان “طَرْقٌ على جدار الذّاكرة” بواسطة ناشر دار الهدى السيد عبد المالك زحالقة.
ووفاء لصداقتي به انشر قراءة فيها أود ان أتقاسمها معكم.
تشترك مكونات السرد في القصص التي اتخذت عنوان طرق على جدار الذاكرة للكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح في بناء مقاطع سردية من منطلق احتضانها ضمن أفضية تختلف من حيث الشكل، لكنها تتشابه من حيث الجوهر،على اعتبار أن المشترك الإنساني يوحدها، وتتغيا هذه الأفضية المساهمة في بناءوعي وطني كثيرًا ما يلهم كل الشخصيات دون استثناء.
وعليه فعلى الرغم من كون الفضاء يختلف من قصة لأخرى نجد الشخصيات القصصية تسعى باستمرار للبحث عن المشترك من خلال علاقات هدفها الأساسي بناء وعي وطني مهما كلفها ذلك من ثمن.
كل ذلك من منطلق الوعي بخطورة واقع تتعرض فيه هذه الشخصيات نفسها لمختلف أنواع القمع، والاضطهاد، وكل ما من شانه المساس بكرامة الانسان، لذلك نجدالزمن ضمن هذه المجموعة يتطور وفقا لسرد تتخذ فيه المقاطع السردية مواقعها من اجل التعبير عن معاناة طال امدها.
من هذا المنطلق نجد أن المساس بكرامة الانسان يتخذ أشكالا وتمظهرات تختلف من قصة لقصة، لكنه رغم هذا الاختلاف تشترك الشخصيات القصصية في البحث عن الخلاص.
وعليه تؤسس هذه الشخصيات مواقف وردت ضمن وظائف مختلفة نشتم منها رائحة العجز عن تغيير الواقع، لكنها متشبثة بموقف المقاومة، حيث اللجوء الىالبحث المستمر عما يمكنها من الخلاص، وذلك في البحث عن المشترك ما يمكنها مننسج علاقات مع غيرها ما دام واقع القمع لا يوقر أحدا.
من هنا تأتي العودة للماضي للبحث من خلاله باعتباره مشتركا عن إجابات للأسئلةالملحة كثيرا ما يطرحها واقع الظلم، والذي يتبدى في كل مكان، والمستمر عبر الزمن.
بسببه عاد السارد في بعض القصص لتوظيف الأسطورة من أجل التأكيد على حضورها ضمن واقعنا رغم ما اسسته المدرسة من وعي لمقاومتها، وما خلفته مجموعة من المؤسسات من أبحاث تسعى الى تطوير الواقع بمختلف تجلياته.
ان الهدف من العودة للأسطورة يفيد الرغبة في فضح علاقات تؤطراستمراريتها، بالتالي ما يتعارض مع تطور الانسان، وواقعه، أيضا للدلالة على استمرار بنى تقليدية ما زالت تحتضنها.
وبسبب وظائفها تاريخيا جعلنا السارد نعتقد أن العودة لها سوف يخلص بعض الشخصيات من واقع الظلم الذي تعاني منه، إذ كما جاء في التاريخ العربي الإنساني تمكين بعض الأشخاص من اكتساب قدرة خارقة لا تهزم، أيضا جاء موقف بعض الشخصيات يسعى من خلال تمثل الاسطورة للخلاص على غرار ما حققته هذه الأخيرة من تفوق هزم قوى مختلفة اعتقدت أن ممارسة القوة تمكنها من الانتصار.
على هذا الأساس تتصارع مجموعة من التناقضات ضمن مضامين بعض القصص تسعى للمزيد من فرز وعي جديد أساسه الصراع بين هذه المتناقضات في سبيل الوصول الى ذروته، وما يفرزه من جديد في صالح هذه الشخصيات.
في نفس الاطار يأتي الوصف للتعبير عن خطورة الوضع، و فضح التناقضات التي تحكمه، لهذا نجد وعي بعض الشخصيات أحيانا يسعى للتحرر منها، اقصد تلك التي تكبله، لكن تطور علاقات يتحكم فيها الواقع يجعل السرد يوحي بالرغبة في تجاوز الماضي الذي طغى على مختلف تجليات الحياة، ويتجدد في العديد من الأحداث.
انه بسبب ذلك يأتي الماضي أحيانا يعاد ترتيبه وفقا للأهداف من سرد الأحداث.
إن وظيفة الأسطورة ضمن بعض القصص هي التعبير عن عدم قدرة بعض الشخصيات عن تمثل الواقع، بسبب عدم تجدده وفقا لتطور الزمن.
ففي الوقت الذي تسعى هذه الشخصيات إلى احداث تطور في وعيها، إدراكها ومواقفها، تأتي الأسطورة لتطوّق سؤال التطور من منطلق استبدال السؤال الفلسفي بسؤال أسطوري على أساس العمل المستمر، وتوظيف القوّة لمنع تحقيق هذا التطور ما يفسر امتداد الظلم ليشمل أغلب الأحداث.
في نفس السياق، ومن منطلق الوعي بالمقاومة المستمرة لهذا الواقع يأتي الرجوع الى الثقافة الشعبية من أجل استلهام بعض مكوناتها، باعتبار الوعي بالعجز الذي يحكم هذا التطور، لعل توظيف بعض مكوناتها قد يفيد في إحداث تحول في الواقع يفضي إلى تحرر هذه الشخصيات من الألم الذي تعاني منه.
لهذا نجد السرد يسعى بناء عليه إلى فرز علاقات جديدة تتحرر فيها هذه الشخصيات من واقع تتصارع فيه مجمل التناقضات لفرز تطور وهمي يسعى إلى تحرر الأحداث القصصية، لكنه سرعان ماتحتفظ هذه الأحداث على واقع تتناسل فيه الإشكالات، هذه الأخيرة كثيرا ما نجد أنها تؤطر وعي بعض الشخصيات، ومع ذلك يبقى التفاؤل ما يحكم العديد من مواقفها من منطلق الوعي بأهمية الاستمرار في نشر الوعي الوطني لتحقيق التحرر من الظلم المسلط على أغلب الشخصيات.
لهذا نجد العودة للثقافة الشعبية، للبحث في بعض مكوناتها عن قيم وطنية،بهدف تأطيرها ضمن علاقات من أجل تعزيزها لاستمرار العمل، وبناء الهويةالوطنية عند هذه الشخصيات.
بمعنى أن العودة الى الثقافة الشعبية يفيد في تعزيز الوعي الوطني بقيم الصمود التضامن الشجاعة وغيرها ما دام واقع الظلم يتناسل باستمرار.
ومن أجل إبراز خطورة فهم خاطئ للدين عاد بنا السارد من خلال بعض الأحداث القصصية إلى خطورة تناقل هذا الوعي ، الذي لا يسمح ببناء الديموقراطية ، ما يسمح بالتطور على المستوى المادي ، والرمزي ، أي : ما يسمح ببناء تطور يحكم مختلف تجليات الحياة ، لهذا يسعى السارد لإبراز أهمية بناء الوعي الديموقراطي عند بعض الشخصيات القصصية بشكل ضمني احيانا ، وبشكل صريح أحيانا أخرى ، من منطلق عملية التغيير الذي سيحققه هذا الأخير ، حيث سيفضي إلى تحقيق قدرة الجميع على العمل ، والابداع ، خارج اختناق الحريات في ظل تفجير طاقات الجميع دون خوف ، وفي اطار علاقات تسودها كرامة الانسان .
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أنوه بالمستويين الفني، والجمالي لهذه القصص، لما تحققه من إندهاش للقرّاء بسبب اتساق مضامينها، وصفاء أسلوبها، وتناغمه والرسائل الهادفة التي تضمنتها