سأبدأ من النهاية، أغصان حسن ترى أنّ الناس في هذا العالم مقسومة إلى قسمين، إلى نوعين: الكفيف الذي لا يُرى، والمبصر الذي لا يَرى. أكرّر: أغصان ترى أنّ الكفيف هو من لا يراه الآخرون، والمبصر هو من لا يرى، أو لا يريد أن يرى الآخرين، وخاصّة المكفوفين.
ننتقل إلى تفصيل المداخلة، وسأتناول رواية أنثى ما فوق الحقيقة من منظارين: المضامين والأساليب. المضامين: نحن أمام رواية تقوم على مضامين عدّة، لكنّها تجتمع تحت مسمّى الخيبة. إنّها رواية تجسّد الخيبة في كلّ مناحي الحياة. تتجلّى الخيبة في صور شتّى، فهي رواية الانكفاء، والمراوحة، والهروب إلى الأمام، ثمّ الانكفاء إلى الخلف بفعل الصدمة. إنّها محاولة الهروب من الذات، تحت مسمّى البحث عن الحقيقة، هي رحلة الاستكشاف المدّعاة، لكنّها، في الحقيقة، رحلة الهروب إلى أبعد حدّ من الذات. هي رواية عن الحجّ، لكن ليس إلى أيّ مكان مقدّس، بل هي رحلة الحجّ الذاتيّة، تدور الشخوص حول ذاتها، وتطوف محاولة كسر حدود الأنا، لتكتشف إنّها بعيدة كلّ البعد عن أداء أيّ منسك من مناسك الحجّ الذاتيّة، فتبتعد الذات عن نفسها مخلّفة وراءها جفافًا وجفاء، ومساحة شاسعة من الخراب.
في محاولة سبر أغوار الذات، تسير الشخوص بمسار متصاعد في المبنى الدراميّ للرواية، لكنّ هذا الصعود ينجلي لاحقًا لتوقن الشخوص أنّه كان صعودًا نحو حافّة الهاوية، وبعدها السقوط المدوّي. الشخصيّات في الرواية تعاني من التشنّج العصابيّ الذي يتحكّم بها بفعل الظروف التي عايشتها، أو، بفعل الظروف الأقدار التي حاولت تجنّبها، وهي تشبه شخصيّة أوديبوس- الملك الضرير الذي حاول الهروب من قدره، فلم يرَ الحقيقة؛ ولهذا فقد أقدم على فقء عينيه كعقاب ذاتيّ لأنّه أغفل عن الحقيقة. لكنّ ما أدّى إلى عدم رؤيته الحقيقة كان عقدة الغرور التي طالت شخصيّته- الهيبرس الذي أوهم له أنّ بمقدوره تجنّب القدر الذي رسمته له الآلهة. عقدة الهيبرس هذه تطال شخوص الرواية، بعد أن حاولت الهروب إلى الأمام واستباق الأحداث، أو التسبيق على الأقدار. هذا الهروب: كان بمثابة رحلة حجّ إلى الذات المشتهاة، الذات المتخيّلة، وقد تكون الذات الموهومة؛ لهذا، وفي مرحلة معيّنة من الطريق تنكفئ الشخوص وتعود مكلومة، تقطر منها الذكريات والخيبة.
وتتجلّى الخيبة أيضًا بمنحى قاسٍ هو العقم. العقم يطال كلّ شيء، كلّ العلاقات، باستثناء علاقة نيسان بناجي، لكنّ ناجي نفسه بات يعاني العقم. تدور الشخوص في وهم الحبّ؛ فيقودها الحبّ الموهوم إلى مآلات مرعبة من حيث الانكشاف على الحقائق، ومنها حقيقة عقم هذه العلاقة التي آذت أكثر ممّا أعطت، فكان الحبّ وبالًا، بعد أن اعتقدت الشخوص أنّه الملجأ أو المهرب أو مسار الحياة الطبيعيّ. في محاولة الهروب إلى ملجأ الحبّ تخلّت الشخوص عن حقائق من حياتها، ليؤدّي هذا الإنكار والتخلّي عن مصائر مؤلمة، وعن عشق وهميّ، واستغلال وقهر. يصل القهر ذروته حين تكتشف الشخوص أنّها حُرمت من تحقيق ما كانت تسعى إليه، وما كانت نفسها تصبو إلى إحرازه. دأبت الشخوص على بذل الجهد والوقت والروح في سبيل تحقيق ما رغبت به؛ لكنّ الرواية تعرض لنا الحقيقة المرّة: لم تحقّق أيّ شخصيّة أيّ نوع من البطولة. إنّها رواية اللابطل واللابطولة بامتياز، جميع الشخوص تنكفئ على ذاتها، وتفشل في تحقيق أيّ هدف، أمّا الذرو فتكم في العنوان: هذه الأنثى، تقهرها ظروف حياتها، وتحيط بها القيود التي وضعها الآخرون، إلى درجة تعجز فيها حتّى عن اقتراف الخطيئة. تصرخ هذه الأنثى: اتركوني لأرتكب خطاياي كما أرتئي، لكنّ÷ا تُحرم حتّى من هذا الامتياز، امتياز الإقدام على فعل الخطيئة. حتّى الخطيئة باتت برهن الأخرين ورؤاهم والظروف؛ فباتت تحتاج تأشيرة مرور ليتمّ ارتكابها. هذه الأنثى التي يقهرها عجزها حتّى عن ارتكاب الخطيئة تترك قارئها مذهولا من حجم القهر، يفكّر بجدوى الحياة دون خطيئة مشتهاة؛ لتتحوّل الحياة مجرّد قالب مؤطّر نحيا داخله بوهم العيش، ونتحرّك فيه بمسارات مرسومة مسبقًا، وفق اعتبارات وضعها الآخرون، وهنا، في ظلّ هذا المشهد العبثيّ للحياة، تغدو الحياة فارغة من الشغف، وتصبح الخطيئة، ككلّ شيء، بلا معنى. وتغدو كلّ شخصيّة حبيسة في سجن مختلف.
ومثل الخطيئة، يصبح الحبّ بلا جدوى. في الرواية تعاني كلّ شخصيّة بحثت عن الحبّ من الألم. عائلة الراوية لا تعرف الحبّ، عائلة نيسان لم تعرف الحبّ، نيسان ومراد يتحوّل الحبّ إلى وحش قاتل، الراوية والشابّ الوسيم يتحوّل الحبّ كائنًا بشعًا فاقدًا للفحوى والجدوى، صديقات الراوية تفسّر كلّ واحدة منهنّ الحبّ على هواها، فلا يأتي على مقاس الهوى، هو حبّ هوى. ينجو من هذه الكارثة حبّ الأمّ لابنتها، لكنّه حبّ مقطوع، تعاني فيه الأمّ وتقاسي فيه ابنتها. تمامًا كما قاست فلسطين نزوح أبنائها، وقاسلى أبناؤها ابتعادهم عنها.
الحبّ بين الرجل والمرأة في الرواية، هو حبّ غائب، حبّ يشهد العقم، أو أنانية العاشق، وهو حبّ يقتل أجمل ما فيه: لوعة الانتظار. الحبّ الذي يغتال الشغف في انتظاره هو حبّ ميّت، ولد ميّتًا وسيندثر إلى الأبد. في خضمّ هذا كلّه، تحاسب الراوية الكفيفة المجتمع على عماه. إنّه مجتمع لا يرى الكفيف، ولا يشعر به، حتّى لا يتعاطف معه، بل ينظر إليه كآفة أو عالة، ويبحث عن السبل في التجنّب والابتعاد، أو التنكّر والإنكار. الرواية حساب مفتوح مع المجتمع الذي فقد مشاعره تجاه أبنائه المكفوفين فتركهم وكأنّهم أبناء غير شرعيّين بحكم الإنسانيّة. وفي مسيرة هذا الحساب، تفتح سجلّات الذاكرة لتستلّ منها حساب الأنثى للذكر: حساب البنت لأبيها، الفتاة لحبيبها، المرأة لرجلها، فحتّى مراد حين أتى ليستبدل دور الأب وشخصيّته في حياة نيسان، تحوّل إلى عاشق مستغلّ، واقترف غشاء المحارم، والبيدوفيليا وهو يعتقد أنّه عاشق يرعى الحبّ ويراعي أصوله. الحبّ في الرواية هو حبّ عقيم بدل أن يكون الحبّ العميق. ولهذا فكلّ العاشقين يرتكبون الخطيئة كما يحلو لهم، أمّا الأنثى فهي معصومة عنها، ليس لأنّها تريد أن تكون منزّهة، بل لأنّها محرومة؛ وقمّة القسوة والتمييز الجندريّ أن يتمّ التمييز في التقارب من الخطيئة وارتكابها، ليتحوّل العجز واقعًا أليمًا مستمرًّا في حياة الأنثى. الشخوص الأنثويّة تدور في حلقات مفرغة من الاستغلال مقابل أنويّة (إيجو سنتريزم) الرجل وأنانيّته؛ فتنشأ العلاقات واهنة، والأسر ليست أسرًا بل أسرى في ظلّ الحبّ الذي يُفرض عُنوة.
الأساليب: يذخر هذا العمل الروائيّ بأساليب فنّيّة، وقسم منها يواكب التقنيّات الحديثة لعالم التخييل السرديّ، ومنها الميتاقصّ الذي يحتاج مداخلة منفردة.
فلسفيًّا: يمكن تصنيف هذا العمل الروائيّ كأدب ينضوي تحت تيّارات فلسفيّة مختلفة تلتقي فيها:
الأدب الوجوديّ (Existentialism):يستكشف المواضيع المتعلّقة بالحرّيّة الشخصيّة، والعدميّة، والبحث عن معنى في عالم يبدو خاليا من أيّ غاية أو هدف. الشخصيّات مشوّشة، تعاني من القلق والاغتراب، وتشعر باليأس والإحساس بالعبث نتيجة لعجزها عن تحقيق أيّ نوع من الإنجاز أو المعنى في حياتها. الأدب العبثيّ (Absurdist Literature): يتناول عبثية الحياة وعدم القدرة على التوصّل إلى أيّ نوع من اليقين أو الأهداف المحدّدة مسبقًا. الشخصيّات قد تواجه مصائر غامضة أو غير معروفة، وتبدو حياتها مليئة بالعقم والتشتّت، محمّلة بشعور بالخسارة والخيبة، إنّها رواية اللابطل المطلق، الساعي إلى عدميّته وضياعه.
الواقعيّة السوداء (Black Realism) أو أدب الهزيمة (Defeatist Literature):الواقع قاتم مليء بالتشاؤم والانكفاء، ولا يتحقّق فيه أيّ حلم أو هدف. تسعى الرواية إلى تصوير عالم مظلم ومليء بالخيبة واللاجدوى، أمّا الشخصيات فغالبًا ما تجد نفسها محاصرة في حالة من الاغتراب واللاهدفيّة، دون أيّ أمل في الخلاص أو التحسين. ما يؤدّي إلى مصير غير واضح أو غير محسوم. كلّ الشخصيات تُهزم في النهاية… مصيرها غير واضح… وتسير نحو هوية سحيقة. وهنا تبرز فلسطين بصورها الخاصّة والفرديّة، فلسطين التي ضاعت من كلّ واحد من أبنائها، وضاع معها أبناؤها. الرواية مزيج من هذه التيّارات الفلسفيّة؛ إذ تصوّر الإنسان المهزوم أمام نفسه في الأساس، إذ تتحوّل أحلامه كوابيس تقضّ مضجعه، وتهزّ كيانه، وتفرض عليه الوحدة من والانقطاع. إنّه الحبس الاختياريّ كردّ فعل من النكوص والانسحاب بحركة من الانكفاء والتجنّب. هذه رواية ترفع الهزيمة إلى سطح الوعي ليحاسب كلّ واحد فينا نفسه على مقياس يرى ويُرى، وكأنّ أغصان حسن تصرخ بصوت شخوصها، أيّها الإنسان المتكبّر والمتجاهل: انظر إلى مكوّنات البشريّة والتفت!
أسلوب الميتاليبسيس: وهو العمل السرديّ الذي يتكوّن من حدثين/ قصّتين/ حبكتين، يبدوان متوازيين، لكنّهما في الواقع، قصّتان مكملتان: تكمل شخصيّة الإطار شخصيّة المركز، فنيسان تُكمل الراوية، والراوية تستكمل نيسان، كلّ واحدة منهما وجه مكمل للأخرى… نيسان تتقن الفرنسيّة والإنجليزيّة والإسبانيّة أمّا الراوية فتتعلّم الألمانيّة، وكأنّهما معًا تودّان تحدّي العالم، والاندماج فيه. القصّتان تسيران بشكل يبدو متوازيًا جدًّا فالراوية تدوّ، سيرة نيسان… لكنّهما عمليًّا تكملان بعضهما البعض.
التشعّب المكانيّ: الراوية تهجر القرية بحثًا عن المكان اليوتوبيّ لتنمو فيه شخصيّتها وأحلامها، تغترب في حيفا، أمّا نيسان فتغترب عن فلسطين في كندا وباريس. لكنّهما في النهاية لا تجدان السلوى في المكان الجديد، فتبحثان عن مكان آخر، وحين تعتقدان أنّه المكان المنشود، يتحوّل الاغتراب إلى حالة نفسيّة، لا تشفيها أيّ ترحال أو شتات. الغربة، تقول أغصان، هي حالة ذاتيّة نعيشها في داخلنا، فلا البقاء في حيفا ألغى شعور الغربة، ولا العيش في الشتات أعاد شعور الوطن.
الشخصيّة المتشظّية: هي شخصيّة تعاني من انقسامات داخليّة عميقة، تظهر من خلال سلوكيّات متناقضة، وأفكار مشوّشة، أو هويّات متعدّدة تتعارض فيما بينها. تتراوح سلوكيّات الراوية بين الاعتراف بالحبّ وتقبّله، بين العشق والانقطاع… أمّا نيسان فتحرق لوحاتها، وتمزّق صورها وهي التي أفنت السنوات في تعلّم الفنون. مراد منشطر ومتشظٍّ ما بين أبوّة مسلوبة، وعشق مستلب، هذه الشخصيّات هي انعكاس للحالة النفسية المعقّدة أو التجارب الصادمة التي فرضتها الظروف على الشخصيّة. أغصان تفتّت الشخصيّات، وتعيد جمعها كقطع البازل، لنجد أنّ كلّ قطعة ناقصة؛ ولنكتشف أنّ اللوحة، في النهاية، قاتمة.
تختم أغصان روايتها المنتمية إلى أدب ما بعد الحداثة، ببصيص أمل… ينبثق من نيسان، مكملة شخصيّة الراوية، التي ارتبطت بناجي الملّاح، وهو ناجٍ من سلبيّة الرجل… هو المنقذ ولديه وجدة النجاة، هو الملّاح الذي سيخفّف من ملوحة جراحها، أو هو الملّاح الذي سيبحر بها إلى بحر جديد من الأمان. وكم نحتاج كلّنا إلى ملّاح يرفعنا ما فوق الخطيئة.
ألف مبروك، في رواية تموضع الأدب الفلسطينيّ مواكبًا للمشهد الأدبيّ عالميّا، وتضيف الكثير إلى أدب الهمم التحدّيات، وهذا يحتاج دراسات قبلة.
* ألقيت هذه المداخلة في أمسيةالكاتبة أغصان حسن في قرية المشهد بتاريخ 16 آب 2024